ابن حجر العسقلاني

190

فتح الباري

أبيه له وفيه قوله صلى الله عليه وسلم لا تشهدني على جور وقد مضى الكلام عليه مستوفى في الهبة وقد أخرجه البيهقي من الوجه الذي أخرجه منه البخاري هنا بلفظ فقال لا أشهد على جور وقوله في الترجمة إذا أشهد يؤخذ منه أنه لا يشهد على جور إذا لم يستشهد بطريق الأولى وقوله وقال أبو حريز بفتح المهملة وكسر الراء وآخره زاي عن الشعبي لا أشهد على جور أي في روايته عن الشعبي عن النعمان في هذا الحديث وقد تقدم في الهبة الإشارة إلى من وصله وإلى التوفيق بين ما في رواية أبى حريز وغيره عن الشعبي ثم ذكر المصنف حديث خير الناس قرني من رواية عبد الله بن مسعود ومن رواية عمران بن حصين وفي كل منهما زيادة على ما في الآخر وورد الحديث عن آخرين من الصحابة سأذكر ما في رواياتهم من الفوائد والزوائد مشروحة في أول كتاب فضائل الصحابة إن شاء الله تعالى والغرض هنا ما يتعلق بالشهادات ( قوله قال النبي صلى الله عليه وسلم ) هو موصول بالاسناد المذكور فهو بقية حديث عمران وسيأتي في الفضائل ما يوضح ذلك ( قوله إن بعدكم قوما ) كذا للأكثر وفي رواية النسفي وابن شبويه أن بعدكم قوم قال الكرماني لعله كتب بغير ألف على اللغة الربيعية أو حذف منه ضمير الشأن ( قوله يخونون ) كذا في جميع الروايات التي اتصلت لنا بالخاء المعجمة والواو مشتق من الخيانة وزعم ابن حزم أنه وقع في نسخة يحربون بسكون المهملة وكسر الراء بعدها موحدة قال فإن كان محفوظا فهو من قولهم حر به يحر به إذا أخذ ماله وتركه بلا شئ ورجل محروب أي مسلوب المال * ( تنبيه ) * قال النووي وقع في أكثر نسخ مسلم ولا يتمنون بتشديد المثناة قال غيره هو نظير قوله ثم يتزر موضع قوله يأتزر وادعى أنه شاذ ولكن قد قرأ بن محيصن فليؤد الذي اتمن أمانته ووجهه بن مالك بأنه شبه بما فاؤه واو أو تحتانية قال وهو مقصور على السماع ( قوله ولا يؤتمنون ) أي لا يثق الناس بهم ولا يعتقدونهم أمناء بأن تكون خيانتهم ظاهرة بحيث لا يبقى للناس اعتماد عليهم ( قوله ويشهدون ولا يستشهدون ) يحتمل أن يكون المراد التحمل بدون التحميل أو الأداء بدون طلب والثاني أقرب ويعارضه ما رواه مسلم من حديث زيد بن خالد مرفوعا ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسئلها واختلف العلماء في ترجيحهما فجنح بن عبد البر إلى ترجيح حديث زيد بن خالد لكونه من رواية أهل المدينة فقدمه على رواية أهل العراق وبالغ فزعم أن حديث عمران هذا لا أصل له وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران لاتفاق صاحبي الصحيح عليه وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد بن خالد وذهب آخرون إلى الجمع بينهما فأجابوا بأجوبة * أحدها أن المراد بحديث زيد من عنده شهادة لانسان بحق لا يعلم بها صاحبها فيأتي إليه فيخبره بها أو يموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم فيعلمهم بذلك وهذا أحسن الأجوبة وبهذا أجاب يحيى بن سعيد شيخ مالك ومالك وغيرهما * ثانيها أن المراد به شهادة الحسبة وهي ما لا يتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم محضا ويدخل في الحسبة مما يتعلق بحق الله أو فيه شائبة منه العتاق والوقف والوصية العامة والعدة والطلاق والحدود ونحو ذلك حاصله أن المراد بحديث ابن مسعود الشهادة في حقوق الآدميين والمراد بحديث زيد بن خالد الشهادة في حقوق الله * ثالثها أنه محمول على المبالغة في الإجابة إلى الأداء فيكون لشدة استعداده لها كالذي أداها قبل أن يسئلها كما يقال في وصف الجواد أنه ليعطي قبل الطلب أي يعطي سريعا عقب السؤال من غير